الجمعيات العربية في الدنمارك

ملاحظات عامة:

أسس المهاجرون العرب منذ استقرارهم في الدنمارك في أواسط القرن الماضي، جمعيات كثيرة، اختفى بعضها مع مرور الوقت، واستمر بعضها الآخر أو تجدد بمسميات وأهداف مختلفة. وبسبب عدم وجود إحصائيات دقيقة لعدد وخريطة انتشار هذه الجمعيات، فإن الكتابة عنها تواجه صعوبات كثيرة، ولا تخلو من الأحكام المسبقة المستقاة من الملاحظات المباشرة والتجارب الشخصية. فالإحصائيات الرسمية تشير بشكل عام، إلى وجود حوالي 100 ألف جمعية تطوعية في عموم الدنمارك، ولكن لا توجد أية إحصائية موثقة عن عدد جمعيات المهاجرين سواء كانوا من أصول عربية أم من بلدان أخرى. وتفيدنا في هذا الخصوص نتائج دراسة قام بها مركز الإحصاء الدنماركي  عام 2019 لصالح وزارة الأجانب والاندماج،  بأن 55% من عموم المهاجرين وأبنائهم  وأحفادهم لديهم علاقة انتماء لجمعية تطوعية واحدة على الاقل، مقابل 78% من الدنماركيين الأصليين. لذلك فإن البحث الاستقصائي هو الوسيلة الوحيدة لدراسة هذه الجمعيات، وهذه مهمة متروكة لغيرنا، حيث سنكتفي في السطور التالية، بتسجيل بعض الملاحظات العامة على بنية ونشاط عموم الجمعيات التطوعية التي أسسها العرب في الدنمارك.

■ أولا: من حيث الاهتمامات والمشاغل

كان من الطبيعي أن تهتم جمعيات المهاجرين العرب بالنشاط الاجتماعي الذي يوفر للأعضاء فرصة التعارف والترفيه  وكذلك بالنشاطات التي تعزز وتكرس الانتماءات الأصلية.  

لذلك غَلَب على معظم الجمعيات التي أسسها المهاجرون العرب، منذ البداية، طابع الانتماء الديني تارة، أو الانتماء للوطن الأصلي تارة أخرى. فتجدها من حيث المسمى والمضمون، إما إسلامية أو مسيحية أو غيرهما….، وإما مصرية أو مغربية أو  عراقية أو فلسطينية أو غير ذلك. وفي بعض الأحيان يجتمع النوعان تحت مسمى واحد.

وقد استمر هذا التقسيم العام غالباً على معظم جمعيات العرب حتى يوم الناس هذا. فلو استعرضنا الموجود منها حالياً سنجد أن معظم دور العبادة (جوامع ومساجد وغيرها)، تقف خلفها جمعيات معينة تسيّر شؤونها وتدير نشاطاتها، وهي بحكم مضمونها وأهدافها لا تجمع في عضويتها المتحدرين من وطن أصلي واحد فقط، وإنما من أوطان عديدة، أما الجمعيات التي تحمل أسماء الأوطان الأصلية فمازال الكثير منها ناشطاً ولو بدرجات متفاوتة، ومازال اهتمامها الأساسي يتركز في شؤون الوطن الأصلي الثقافية والسياسية وغيرها. ومع ذلك لا بد من القول أن معظم هذه الجمعيات وبمختلف مسمياتها ومضامينها، لعبت دوراً إيجابياً في كثير من الأحيان، وخصوصاً من الناحية الاجتماعية حيث أشبعت رغبات أعضائها الى حد معقول في هذا الجانب. 

لكن تقسيم أو وصف الجمعيات التي أسسها العرب في الدنمارك، على وفق ما ذكرناه سابقا، لا يمكن تعميمه طبعاً على كل الجمعيات. فقد تأسست عدة جمعيات تطوعية ذات طابع اجتماعي عام، نجحت الى حد كبير في توفير أجواء  ترفيهية وعائلية ساعدت أعضاءها على التواصل مع بعضهم وسدت نقصا مهما في هذا الجانب. وتميزت هذه الجمعيات عن غيرها بتعدد أعراق وهويات أعضائها  وتنوع نشاطاتها.

 

■ ثانيا:الجيل الأول والبلد الأصلي.

تتميز هذه الجمعيات عموما بأن غالبية مؤسسيها من الجيل الأول الذي وصل الى الدنمارك  في مراحل زمنية متعاقبة، مُحَصَّناً الى حد كبير بتكوين ثقافي معين، وبمنظومة من العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، يصعب  الفكاك منها أو من بعضها. وهذا طبعاً لا ينفي وجود أعضاء في هذه الجمعيات من أجيال لاحقة.

والجيل الأول الذي نقصده هنا، قد تكرر عدة مرات على امتداد زمني طويل، ومع كل موجة هجرة جديدة شهدتها الدنمارك. فبعد العمالة العربية الوافدة من دول المغرب العربي في النصف الثاني من القرن الماضي، شهد العقدان الأخيران من ذلك القرن هجرة العراقيين و الفلسطينيين والصوماليين. أما القرن الحالي فقد شهد ويشهد حالياً موجة المهاجرين السوريين التي لم تنته بعد!

وفي كل موجة من هذه الموجات يوجد جيل أول مشغول إلى حد كبير بشؤون البلد الذي تركه طوعاً حيناً ومرغماً في معظم الأحيان. ويجب التذكير هنا بأن هذا الانشغال بشؤون الوطن الأصلي أو بالشؤون الدينية، ليس عيباً، بل هو انشغال مشروع ومقبول وله ما يبرره، لكنه عندما يطغى على غيره ويصبح الشاغل الأول وربما الوحيد، وهو ما حصل في العديد من جمعيات العرب في الدنمارك، فإنه يتحول بذلك الى قوة تشد الجيل الأول الى بلده الأصلي والى عاداته وطقوسه التي تشبع بها هناك وعاشت معه في وطنه الجديد. وهذا يؤثر الى حد كبير على درجة اندماجه في المجتمع الجديد، ونظرته له، وانتمائه إليه.

والبلد الأصلي الذي نقصده هنا ليس مجرد صور وذكريات وحنين ومشاعر يحتفظ بها المهاجرون العرب ويتبادلونها في أمسياتهم، وإنما هو عادات وتقاليد يتبعونها، وأحكام يطلقونها، وتاريخ واهتمام ومتابعة للأحداث التي تقع هناك، وتفاعل يومي معها عبر شتى وسائل التواصل المتوفرة.

ووصل الأمر إلى أن بعض جمعيات الجيل الأول من عرب الدنمارك ذات الطابع الديني خصوصاً، نجحت الى حدٍ كبير، في تكوين ما يمكن اعتباره مجتمعات مصغرة شبه معزولة تماثل الى حدٍ ما مجتمعات البلدان الأصلية،  ولا ينقصها عملياً سوى الجغرافية وتفاصيلها.

■ ثالثا: الوطن الجديد.

لكن انشغال الكثير من هذه الجمعيات بشؤون الدين أو بشؤون الأوطان الأصلية، وهو انشغال مشروع ومسموح به قانونياً، أدى في نهاية المطاف الى تراجع الاهتمام بشؤون الوطن الجديد، لدى معظمها ومن جميع النواحي: السياسية والثقافية وحتى الاقتصادية. وملامسة المجتمع الدنماركي من الخارج فقط. هذا الواقع  تسبب في اكتفاء الكثير من أعضاء هذه الجمعيات بالمحيط الاجتماعي الصغير الذي توفره لهم، وتحوّل هذا الاكتفاء مع الوقت وبمساعدة عوامل أخرى، الى انكفاء وعزلة عن المجتمع الأوسع. ويمكننا أن نلمس ذلك بشكل واضح في مناطق كثيرة من المدن الكبرى في البلد، وحيثما يكثر ذوو الأصول العربية وغيرهم من المهاجرين.

ولم تقتصر هذه العزلة الطوعية التي اختارها كثيرون من عرب الأجيال الأولى،  على الجانب الاجتماعي فقط، وإنما تعدت ذلك الى مجالات أخرى. وبلغت في بعض الأحيان حد اتخاذ مواقف سلبية مسبقة من المجتمع الجديد، والتمسك المَرَضي بهموم وثقافة وطريقة تفكير وعادات المجتمع القديم. وقد انعكس ذلك، ولكن بدرجات متفاوتة، على تصور وطريقة تفكير الكثير من شباب الجيل الثاني. وخلق أحيانا فجوة حضارية ومعرفية واسعة بين الجيل الأول الذي كون معظم هذه الجمعيات، والأجيال اللاحقة التي دخلت المجتمع الجديد واندمجت به بدرجات متفاوته. 

■ رابعا: محنة الجيل الثاني.

اذا كنا نستطيع إطلاق تسمية الجيل الأول من المهاجرين العرب على جميع البالغين الذين وصلوا الى البلد وهم في العشرين فما فوق من أعمارهم، فإننا سنلاقي حتما صعوبة كبيرة في  تحديد الجيل الثاني. فبعض أبناء هذا الجيل وصلوا أطفالاً مع ذويهم،  وبعضهم الآخر أنهى في بلده الأصلي مرحلة دراسية كاملة، ومن المحسوبين على هذا الجيل أيضاً، بعض من ولدوا في البلد وترعرعوا فيه، لأن والديهم من الجيل الأول. لذلك فإن الاختلافات كبيرة وعميقة بين أبناء هذا الجيل في مستوى التكيّف مع المجتمع الجديد وفي المواقف المسبقة منه، وكذلك في مدى التأثر بثقافة المجتمع القديم التي يحرص الجيل الأول، بقصد أو بدون قصد، على غرسها في الجيل الثاني.  وفي ضوء هذه الحقائق لابد من إيجاد معايير إضافية لتحديد أجيال المهاجرين العرب. فبالاضافة الى معيار العمر ومكان الولادة لابد من استخدام معيار التكوين الثقافي الذي يسمح لنا بتقسيم الجيل الثاني مثلاً الى طيفين رئيسيين، الأول هو الذي يحمل بعض ثقافة المجتمع القديم ويتأثر بها، والثاني هو  الذي لا علاقة ثقافية مباشرة له بوطن الآباء والأجداد.

لكن ذلك لم يمنع كثيرين من المحسوبين على الجيل الثاني من نيل شهادات دراسية عالية، والانخراط بمواقع العمل والجمعيات والاحزاب الدنماركية، والاندماج بالمجتمع والتأثير به بكل معنى الكلمة. 

خلاصة القول إن عموم الجمعيات التي أسسها العرب في الدنمارك، سواء تلك التي توقفت بعد فترة أو تلك التي استمرت، قد لبت رغبة أعضائها ولو مؤقتا، في حدود بعض الأهداف التي أُسِّست من أجلها.  لكن معظم هذه الجمعيات لم تستطع أن تجذب اهتمام الشباب من عرب الدنمارك إلا في أضيق الحدود، كما أن بعضها لم تسهّل اندماج أعضائها وأبنائهم في المجتمع، بل صعبت ذلك، وفي بعض الحالات شجعتهم على العزلة أو على اتخاذ مواقف سلبية. وساهمت في ذلك ولا شك موجات الضغط الإعلامي والسياسي الذي شهدتها البلد على مدى سنوات عديدة ضد معتقدات وممارسات بعض المهاجرين، حيث تحولت هذه المعتقدات والممارسات الى لافتات سياسية وانتخابية عاشت عليها أحزاب وتيارات معروفة. فاختار الكثير من المهاجرين الابتعاد عن المجتمع ومعاداته أحيانا،  واتخذوا من ذلك سلاحا للحفاظ على معتقداتهم. وتطرف بعضهم في ذلك، الى الحد الذي شكل خطرا عليهم وعلى ذويهم ومعارفهم وعلى المجتمع أيضا.

  • ●●

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *