مسرحية  وثائقية عن حياة الشاعر الراحل يحيى حسن

عرضت على خشبة  المسرح الملكي العريق بكوبنهاغن مؤخرا المسرحية الوثائقية “العائلة حسن” وهي من اعداد واخراج المخرج العراقي الدنماركي سرجون اوشانا، عن كتاب بنفس العنوان للكاتب الدنماركي  ستيفن سوباير.

 وكان الشاعر الشاب والمثير للجدل يحيى حسن  قد توفي بشكل مفاجئ في ٢٩ ابريل عام ٢٠٢٠  عن عمر 24 سنة. 

بدأت شهرة يحيى عندما أصدر مجموعته الشعرية الأولى باللغة الدنماركية عام 2013 بعنوان يحيى حسن، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عاما. حصل كتابه الاول على تقييمات إيجابية كثيرة وشهرة واسعة وسجلت مبيعاته رقماً قياسياً. تميزت قصائده بلغتها المستفزة وأصالتها وصورها الصادمة عن المعاناة الشخصية والعنف الأسري الذي تعرض له يحيى واخوانه عندما كانوا أطفالاً.

وفي سنة ٢٠٢٤ اصدر الكاتب الدنماركي ستيفن ستوباير…. كتاباً بعنوان “العائلة حسن” ضم ذكريات أم يحيى واخوانه الاربعة عن حياتهم وعن يحيى من عام ٢٠٠٦ وحتى وفاته عام ٢٠٢٠.

وبمبادرة من عبد الله حسن شقيق يحيى، حوَّل المخرج المسرحي العراقي الدنماركي سرجون أوشانه كتاب ستوباير الى عمل مسرحي وثائقي بنفس العنوان. وقد بدأت عروض المسرحية الوثائقية في الثامن عشر من سبتمبر ٢٠٢٦ على المسرح الملكي العريق في كوبنهاجن واستمرت حتى الثامن والعشرين من شهر أكتوبر. ونظرا للإقبال الكبير اعلن المخرج عن عروض اخرى للمسرحية على مسارح اخرى وفي عدة مدن دنماركية. 

نورد فيما يلي ترجمة للفصل الأول من كتاب “العائلة حسن”:

<< أنا والدة يحيى حسن. أثناء ولادته، فقدت الكثير من الدم. وضعوه على صدري وبعد حين رفعته من صدري ووضعته في حاضنته بجانب سريري، ثم استدرت ونمت لأستعيد قوتي. بعد فترة وجيزة، استيقظت على صوت بكاء طفل قوي. فتحت عيني وأصغيت. لا، لم يكن ابني، ليس يحيى. كان صوته عالياً جداً، كصوت طفل عمره شهر. قالت الممرضة عندما دخلت الغرفة: “ابنك يبكي”. قلت: “لا، ليس ابني، لأنه وُلد للتو”. قالت: “حنان، إنه ابنك الذي يبكي”. عندما التفتُّ نحو السرير، رأيت يحيى هو من كان يبكي بصوت عالٍ. لقد أنجبته بصوت قوي منذ ساعته الأولى. نقول في أمثالنا العربية:

“الديك الفصيح من البيضة يصيح”.

كان ذلك في مستشفى آرهوس العام سنة ١٩٩٥.

أما أنا، فقد وُلدتُ عام ١٩٧١ على أرضية غرفة عائلتي الوحيدة في مخيم للاجئين بمدينة بعلبك. هناك، في الوادي الخصب بين سلاسل جبال لبنان، وجد أجدادي ملاذًا آمنًا عندما طرد الجيش الإسرائيلي، بعد قيام إسرائيل عام ١٩٤٨، مئات الآلاف من الفلسطينيين خلال كارثة النكبة. يُقال إن العديد من الجنود دُفنوا تحت قرية عائلتي، لوبيا. كان جدّاي شقيقين، لذا كان والداي أبناء عمومة. كنا سبعة أشقاء. كنتُ الأكبر، لكنني لم أكن البكر. قبل ولادتي، فقدت أمي طفلين رضيعين. صبي مات من البرد، وفتاة اصفرّ جسمها ومرضت في ثكنات مخيم اللاجئين القديمة، كان المخيم  عبارة عن مبنى خرساني استخدم سابقًا كمعسكر للجنود الفرنسيين. كنا وغيرنا مم اللاجئين نعيش في ثلاثين غرفة، تفصل بينها ثلاث أو أربع خطوات. كان بإمكان الجميع سماع ما يقوله الآخرون وما يفعلونه. كنا محظوظين لأننا عشنا في المبنى الذي كانت غرفنا فيه ذات أربعة جدران. أما العائلات الأخرى، فكانت غرفها ذات ثلاثة جدران كاملة ونصف جدار، لذا كان بإمكان الجميع رؤية ما بداخلها. حاولوا حجب أنفسهم عن أنظار الجيران بقطع من الورق المقوى. عندما حصلوا على المال، بنوا الجدار من الإسمنت. بُنيت هذه المباني لتناسب حياة الجنود الفرنسيين المقتصدة، لا العائلات الكبيرة. سكن آخرون في إسطبلات الخيول القديمة، التي جهزوها بمواقد وأماكن للنوم. في غرفتنا، كان مصباح صغير معلقًا على الحائط، مضاءً لنرى في الليل. عندما كنا نستيقظ للتبول، كان لدينا دلو على الأرض. كل صباح كانت أمي تخرج وتفرغه. وفي كل صباح كانت أنوفنا تمتلئ بسخام المصباح. عندما كنت أغسل وجهي، كان يخرج منه غبار أسود. كنا نفتقر إلى أشياء كثيرة في بعلبك، لكنني شعرتُ بغنى المحبة والالفة. كان الناس يهتمون ببعضهم البعض بطريقة لم ألمسها هنا منذ قدومي إلى الدنمارك. لا توجد هنا نفس الألفة والترابط بين الناس، وأشعر هنا بمزيد من الوحدة والعزلة. على الرغم من أن أيٍ من نساء المخيم لم تكن تملك سوى كمية قليلة من الدقيق، إلا أنها كانت تخبز أكبر قدر ممكن من الخبز. من موقدها كانت تنتشر الرائحة الطيبة وتجذب الآخرين. جاءت إحداهن مرة ومعها مشمش مدخر من الصيف، وساعدتها جميع النساء في صنع مربى المشمش. أحيانًا كن يذهبن معًا لشراء مئة كيلوغرام من الطماطم، كن يغلينها حتى تصبح هريسًا في قدور كبيرة على النار، فتفوح منها رائحة زكية وجميلة. كنا نحن الأطفال نشرب قليلًا من عصيرها في المساء. يا له من عصير لذيذ! في الشتاء، كانت تتساقط بضعة أمتار من الثلوج، فتبرد الغرفة جداً. كان لدينا موقد صغير نضع فيه الحطب. أما الآخرون فكانوا يضعون البلاستيك في مواقدهم لأنه لم يكن هناك غيره. كنا نستلقي نحن السبعة على فراش بسيط في صف واحد، ونتغطى ببطانيتين. وعندما كنا نستعد للنوم، كنا نحن الإخوة نمزح مع بعضنا، فتقول أمي: “ناموا الآن يا أولاد، ستذهبون إلى المدرسة في الصباح الباكر”. كنا نذهب إلى المدرسة التي أنشأتها الأونروا، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط، في المخيم، وكنا نتحدث همسًا عن المقالب التي كنا نرتكبها في المدرسة. مثلا: أحد التلاميذ وضع حفنة من الصبغ القديم في موقد المدرسة، لكي تنبعث منه رائحة كريهة حتى نغادر صفوفنا لمدة ساعة او اكثر. وأنا الصقت مرة ورقة على ظهر صديقتي ، فلما خرجنا الى الساحة ضحك الجميع عليها. فقالت صديقتي “لماذا تضحكون؟” أجاب بعض الأولاد: “انظري ماذا على ظهرك!”، فأجاب الآخرون: “حمار للبيع”. تذكرنا ذلك وضحكنا تحت الأغطية في الغرفة حتى غضبت أمي وقالت إن وقت النوم قد حان. كان لديها اتفاق مع جدتي أن تأتي وتسهران معها عندما نكون نائمين. كان ذلك هو الوقت الوحيد الذي تملكه لنفسها. أرتني جدتي ذات يوم مفتاح منزل العائلة في فلسطين ومجموعة من الأوراق التي أحضرتها معها عندما هربت العائلة. في الأوراق اثبات موثق أنها تملك المنزل وقطعة أرض صغيرة كانت ترعى فيها الحيوانات. كانت أرضهم، التي تطل على لوبيا، مكانًا جميلًا وهادئًا، تنمو فيه أشجار الزيتون والتفاح. وكثيرا ما جلست نساء مسنات أخريات معا وتذكرن الاستيقاظ مبكرًا لحلب البقرة وعجن العجين وخبز الخبز على نار مكشوفة. يتحدثن عن البقدونس و النعناع والفجل والكلمنتينا، والبرتقال البلدي بحجم البطيخ. كن يغنين أغاني حزينة.مثل:

 

يا ظريف الطول وقف تاقلك.. رايح عالغربة وبلادك أحسنلك

خايف يا ظريف تروح وتتملك.. وتعاشر الغير وتنساني أنا

 

كانت النساء يبكين من شدة الشوق. مسحت جدتي عينيها وقالت إننا سنرى قريتنا مرة أخرى بالتأكيد. وقالت: «قريبًا سنعود إلى فلسطين مرة أخرى.» لكن ذلك لم يحدث قط. وربما أموت أنا وأطفالي قبل أن يتمكن شعبنا من العودة إلى وطنه.

في أحد الأيام، وبينما كنا جالسين في المدرسة، ألقت الطائرات الإسرائيلية قنابل علينا. اهتزت الأرض والطاولات، فألقينا بأنفسنا أرضًا. وقد أصابت إسرائيل ساحة لعبنا أثناء محاولتها قصف مبنى عسكري كان يقع بالقرب من المدرسة. تحطمت النوافذ، وانتشرت رائحة دخان القنابل.

كيف يمكنني أن أشرح رائحة القنبلة؟ إنها ليست تمامًا كرائحة البلاستيك المحترق، بل تشبه إلى حد ما رائحة الطلقات النارية من مسدس. رائحتها كريهة جدًا، وفي ذلك اليوم سقطت قنابل كثيرة. كنا نعرف أشخاصًا عدة قُتلوا، وكان أحدهم طفلًا صغيرًا. أعتقد أن أكثر من 13 شخصًا من المخيم لقوا حتفهم. وقد أدت قوة أحد الانفجارات إلى قذف حجر كبير باتجاه ظهر عمي.

هرب كثيرون إلى ألمانيا والدنمارك، حتى إن المخيم أُطلق عليه اسم «مخيم الدنمارك» (Denmark Camp). اشترى أبي منزل صديقه عندما غادرت عائلته. وأصبح لدينا غرفة معيشة كبيرة لاستقبال الضيوف عندما يأتون، كما بنى أبي مطبخًا ومرحاضًا صغيرًا. كنا محظوظين؛ فقد كان يعمل لدى وكالة الأونروا وكان يتقاضى راتبًا جيدًا.

عندما بلغت الثامنة عشرة من عمري، التقيت رجلًا يبلغ من العمر 27 عامًا. وكما كنت أنا، فقد وُلد ونشأ في المخيم، وكانت عائلتانا تعرفان بعضهما بعضًا. كان قد غادر وسكن في الدنمارك، لكنه كان يزور عائلته، التي كانت في الأصل من قرية الفَرّاضية في فلسطين.

تزوجنا، وجئتُ إلى الدنمارك عن طريق لمّ شمل العائلة.

من عام ١٩٩٤ إلى عام ١٩٩٩، أنجبتُ خمسة أطفال:

كوثر، ابنتي الكبرى،

يحيى، ابني البكر،

خديجة، ابنتي الثانية،

عبد الله، ابني الثاني،

عبد السلام، ابني الأصغر.

هم أبنائي، وهم الآن يروون قصتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *